الشيخ محمد رشيد رضا
149
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
وأخذوه بالتسليم حتى صاروا يعتقدون انه أثر طبيعي للصوم ، فهم إذا أفحش أحدهم قال الآخر : لا عتب عليه فإنه صائم . وهو وهم استحوذ على النفوس فحل منها محل الحقيقة وكان له أثرها ، ومتى رسخ الوهم في النفس يصعب انتزاعه على العقلاء الذين يتعاهدون أنفسهم بالتربية الحقيقية دائما ، فكيف حال الغافلين عن أنفسهم المنحدرين في تيار العادات والتقاليد الشاثعة ، لا يتفكرون في مصيرهم ، ولا يشعرون في أي لجة يقذفون ، فتأثير الصوم في أنفسهم مناف للتقوى التي شرع لأجلها ، ومخالف للأحاديث النبوية التي وصف بها أهلها ، ومن أشهرها حديث « الصيام جنة » وهي بضم الجيم الوقاية والستر فهو يقي صاحبه من المعاصي والآثام ، ومن عقابها وغايته دخول النار ، وللحديث ألفاظ وفيه زيادة في الصحاح والسنن . وذكر الحافظ في شرحه من الفتح لفظ أبي عبيدة ( رض ) عند أحمد « الصيام جنة ما لم يخرقها » زاد الدارمي « بالغيبة » وقال في هذه الزيادة : ان الغيبة تضر بالصيام وحكي عن عائشة وبه قال الأوزاعي ان الغيبة تفطر الصائم وتوجب قضاء ذلك اليوم . وأفرط ابن حزم فقال يبطله كل معصية من متعمد لها ذاكر لصومه الخ وقال الغزالي فيمن يعصي اللّه وهو صائم انه كمن يبني قصرا ويهدم مصرا . [ قال الأستاذ الامام ] ان أكثر الناس يلاحظون في صومهم حفظ رسم الدين الظاهر وموافقة الناس فيما هم فيه حتى أن الحائض تصوم وترى الفطر في نهار رمضان عارا ومأنما ولا بأس بهذا الصوم من غير الحائض لحفظ ظاهر الاسلام وإقامة هيكل شعائره ، ولكنه لا يفيد الأفراد شيئا في دينهم ولا في دنياهم لخلوه من الروح الذي يعدهم للتقوى ، ويؤهلهم لسعادة الآخرة والدنيا . وذكر في الدرس ما عليه الناس من الاستعداد لمآكل رمضان وشرابه بحيث ينفقون فيه على ذلك ما يكاد يساوي نفقة سائر السنة . حتى كأنه موسم أكل ، وكأن الامساك عن الطعام في النهار انما هو لأجل الاستكثار منه في الليل ، وهذا هو الصوم المراد بقوله صلّى اللّه عليه وسلّم « كم من صائم ليس له من صومه إلا الجوع والعطش » رواه النسائي وابن ماجة ولا نطيل بشرح ما عليه الناس فهم يعلمونه علما تاما وفيما كتب كفاية لمن يريد معرفة حقه من باطله